لم تعد أوروبا مجرد سوق بعيدة لعصابات المخدرات في أمريكا اللاتينية، بل أصبحت أرض عمليات قائمة بذاتها. فقد كشف تحقيق استقصائي استمر أربعة أشهر أن كارتيلات وفصائل من كولومبيا والبرازيل والإكوادور وفنزويلا والمكسيك والولايات المتحدة تنشط فعلياً في ما لا يقل عن 12 دولة أوروبية، وأن بعض التقديرات ترفع العدد إلى 16 دولة.
التحقيق، الذي استند إلى قواعد بيانات الشرطة وأجهزة الاستخبارات ومقابلات مع قضاة ومدعين عامين وخبراء من ثماني دول، يرسم صورة لظاهرة تجاوزت بوابات الدخول التقليدية للقارة، وباتت تمتد إلى شرق أوروبا وشمالها.
أرقام تكشف حجم التحول
بين عامي 2014 و2024، ارتفعت كمية الكوكايين المضبوطة في أوروبا بنسبة 471%. وفي الوقت نفسه، تم تفكيك عدد متزايد من المختبرات المحلية التي تعالج مشتقات الكوكايين داخل القارة نفسها، في مؤشر على أن الشبكات لم تعد تكتفي بالتهريب، بل باتت تنتج وتعالج على الأراضي الأوروبية.
وعلى مستوى الإنتاج العالمي، يقول تقرير المخدرات العالمي لعام 2026 الصادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة إن إنتاج الكوكايين العالمي في عام 2024 تراوح بين 3800 و4700 طن، أي أكثر من أربعة أضعاف مستواه قبل عقد. كما بلغت زراعة الكوكا في أمريكا الجنوبية مساحة قياسية قدرها 385 ألف هكتار، أي ثلاثة أضعاف رقم 2014. واليوم يُنتَج في كولومبيا من الكوكايين أكثر مما كان يُنتَج في عهد بابلو إسكوبار.
من هي الجماعات الناشطة في أوروبا؟
تشمل الجماعات التي رصدها التحقيق كارتيل سينالوا وكارتيل خاليسكو للجيل الجديد في المكسيك، وعشيرة خليج (كلان ديل غولفو) وجيش التحرير الوطني وفصائل منشقة عن فارك في كولومبيا، وكلاً من «القيادة الأولى للعاصمة» (PCC) و«القيادة الحمراء» في البرازيل، وعصابة «ترين دي أراغوا» في فنزويلا، إضافة إلى عصبتي باريو 18 وMS-13 المنتشرتين في السلفادور وهندوراس وغواتيمالا.
وتركزت هذه الشبكات تاريخياً في إسبانيا والبرتغال وهولندا وبلجيكا وفرنسا، لكن أنشطتها رُصدت أيضاً في ألمانيا ورومانيا وكرواتيا وسلوفاكيا وبلغاريا. وتُظهر قضايا سابقة كيف تجاوزت شبكات الكارتيلات المكسيكية حدودها التقليدية، فيما تواصل الجماعات الكولومبية المسلحة، مثل جيش التحرير الوطني، إثارة قلق السلطات في أكثر من قارة. وقد حُكم مؤخراً على قادة من جيش التحرير الوطني في قضايا تجنيد أطفال.
تقرير ساو باولو: عصابة واحدة في 16 دولة
أحد أبرز ما كشفه التحقيق هو تقرير غير منشور لمكتب المدعي العام في ساو باولو، يستند جزئياً إلى بيانات وكالة الاستخبارات البرازيلية، يخلص إلى أن عصابة PCC، أكبر جماعة إجرامية في البرازيل اليوم، تعمل في 16 دولة أوروبية، من بينها بريطانيا وإيرلندا وآيسلندا وصربيا والسويد وسويسرا وتركيا.
ويرى خبراء أن الرقم الحقيقي قد يكون أعلى، لأن الإحصاءات الرسمية لا تشمل إلا الجماعات التي تم تحديدها عبر عمليات شرطية وتحقيقات عابرة للحدود وقضايا قضائية، دون احتساب العصابات التي تعمل من دون حضور مادي في أوروبا عبر «مشاريع مشتركة» مع المافيات الأوروبية.
لماذا أوروبا؟ الهوامش الأعلى وسوق متنامية
يكمن جاذبية أوروبا في الاقتصاد أولاً: فالقارة تمنح المنظمات الإجرامية هوامش ربح أعلى مما تحققه في الولايات المتحدة، ومنذ بداية العقد الحالي ضبطت الشرطة الأوروبية كميات من المخدرات تفوق ما ضبطته القوات الأمريكية، وتشير البيانات إلى أن أوروبا تمثل اليوم نحو ربع الاستهلاك العالمي من الكوكايين.
كما تشير عمليات الشرطة الأخيرة إلى امتداد الخريطة شرقاً وشمالاً: فقد تم اكتشاف مختبرات ميثامفيتامين تديرها شبكات مكسيكية في جنوب فرنسا وشمال شرق بولندا وبراندنبورغ في ألمانيا، وظهرت جماعات أمريكية لاتينية على طول طريق البلقان في رومانيا وبلغاريا.
ما تقوله يوروبول
في تقرير صدر هذا العام، أفادت وكالة الشرطة الأوروبية (يوروبول) بأن شبكات الجريمة المنظمة من أمريكا اللاتينية استقرت داخل الاتحاد الأوروبي، وتدير من هناك عمليات تؤثر في الاتحاد. كما أحصت الوكالة 731 شبكة إجرامية من الأكثر تهديداً في أوروبا، منها 149 شبكة مرتبطة بمنظمات أمريكية لاتينية، بينها 67 شبكة تضم أعضاء من أمريكا اللاتينية، و22 شبكة تتكون أساساً من أمريكيين لاتينيين.
ويرى مراقبون أن الظاهرة لم تعد مقتصرة على دول البوابة التقليدية، وأن الشبكات تبني حضوراً في مناطق لا توجد فيها بنية تحتية إجرامية سابقة، معتمدة على التحالفات مع المافيات المحلية لتقليل المخاطر وتوسيع النفوذ.
أسئلة شائعة
كم دولة أوروبية تنشط فيها عصابات أمريكا اللاتينية؟
أكد التحقيق وجود كارتيلات وفصائل من أمريكا اللاتينية في ما لا يقل عن 12 دولة أوروبية. ويذهب تقرير غير منشور للمدعي العام في ساو باولو إلى أن عصابة PCC البرازيلية وحدها تعمل في 16 دولة أوروبية.
لماذا تتجه العصابات اللاتينية إلى أوروبا؟
لأن السوق الأوروبية تمنح هوامش ربح أعلى من السوق الأمريكية، ولأن أوروبا تمثل نحو ربع الاستهلاك العالمي من الكوكايين، إضافة إلى إمكانية التحالف مع المافيات الأوروبية القائمة.
ما حجم زيادة ضبط الكوكايين في أوروبا؟
ارتفعت كمية الكوكايين المضبوطة في أوروبا بنسبة 471% بين عامي 2014 و2024، بينما ارتفع الإنتاج العالمي للكوكايين إلى ما بين 3800 و4700 طن في عام 2024.
ما موقف يوروبول من هذه الشبكات؟
تقول يوروبول إن من بين 731 شبكة إجرامية من الأكثر تهديداً في أوروبا، هناك 149 شبكة مرتبطة بمنظمات أمريكية لاتينية، وإن بعض هذه الشبكات استقر داخل الاتحاد الأوروبي وتدير عمليات من داخله.
المصادر: ذا غارديان، تقرير المخدرات العالمي 2026 — مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة



