أثار إقرار «قانون العمليات الخاصة 2026» في ترينيداد وتوباغو موجة غضب في الأوساط الصحفية، بعدما وسّع القانون صلاحيات الشرطة في التفتيش والمصادرة بدرجة اعتبرها الصحفيون تهديداً مباشراً لحرية الصحافة في بلد طالما اعتُبرت فيه هذه الحرية من المسلمات. وقد أُقرّ القانون في 24 سبتمبر الماضي، وتدعو رابطة الإعلام في ترينيداد وتوباغو (MATT) الآن إلى تعديل عاجل لبنوده، بينما وصفه رئيس الوزراء السابق ستيوارت يونغ بأنه «غير دستوري وخطير جداً»، في وقت تُصرّ فيه الحكومة على أنه أداة ضرورية لمواجهة معدلات الجريمة والقتل «المرتفعة بشكل مثير للقلق».
تأتي هذه الأزمة في بلد كاريبي صغير اعتاد أن يُقدَّم نموذجاً في حرية التعبير في المنطقة، ما يجعل الصدام بين الأمن والصحافة فيه مؤشراً على اتساع نطاق التوتر بين الحكومات والإعلام حول العالم. وتراجعت البلاد 13 مركزاً في مؤشر حرية الصحافة العالمي لمنظمة «مراسلون بلا حدود»، من المرتبة 19 في 2025 إلى المرتبة 32، في إشارة إلى تدهور المناخ الإعلامي حتى قبل إقرار القانون الجديد.
ماذا ينصّ عليه القانون؟
يمنح «قانون العمليات الخاصة 2026» الشرطة سلطات أوسع في التفتيش والمصادرة ضمن ما تصفه الحكومة بعمليات خاصة لمكافحة الجريمة. وبحسب صحيفة الغارديان، فإن المادة 15 من القانون تمنع مصادرة «أداة مهنة مشروعة» أو مواد تخضع للسرية المهنية للمحامين، لكن الصحفيين يشيرون إلى أن «الصحافة» غير معترف بها صراحة كمهنة محمية، ولا توجد إجراءات تنظم التعامل مع المواد الصحفية السرية المضبوطة أثناء التفتيش.
ويحذّر بيدرو كارديناس من منظمة «المادة 19» المعنية بحرية التعبير من أن صياغة القانون تسمح للضباط بمصادرة «أي مركبة أو غرض أو وثيقة تُعتبر ذات قيمة جوهرية» — وهي صياغة فضفاضة قد تُستخدم، وفق المنظمة، «بما يتعارض مباشرة» مع القانون الدولي لحقوق الإنسان. ويطالب الصحفيون بتعديل «عاجل» للمادة 15 يشمل تسمية الصحافة صراحة كمهنة محمية، وحماية أجهزة الصحفيين وموادهم ومصادرهم السرية، واستثناءً واضحاً يمنع تفتيش ومصادرة الدفاتر والهواتف والحواسيب.
حجة الحكومة: الجريمة أولاً
تردّ الحكومة بأن القانون صُمّم لمواجهة معدلات الجريمة والقتل المرتفعة في البلاد، وهي معدلات تصفها بأنها «مثيرة للقلق». وقد عاشت ترينيداد وتوباغو أكثر من عام في حالة طوارئ شبه دائمة، مُنحت خلالها الشرطة صلاحيات تجاوز الحقوق الدستورية في الاعتقال والاحتجاز والتفتيش والمصادرة. وبحسب الغارديان، لم يردّ مكتب رئيس الوزراء على طلب التعليق على مخاوف الصحفيين.
وترينيداد وتوباغو، كغيرها من دول الكاريبي، تعاني منذ سنوات من تصاعد عنف العصابات وجرائم القتل، ما دفع السلطات إلى تبنّي مقاربات أمنية أكثر صرامة. وكشف تحقيق لصحيفة «ترينيداد وتوباغو غارديان» أن القضاة وافقوا على 314 مذكرة لاعتراض الاتصالات بين 2020 ومايو 2026 — وهو رقم يعكس حجم الآلة الأمنية التي يعمل القانون الجديد على توسيعها.
ويرى مؤيدو القانون أن توسيع الصلاحيات أمر لا مفر منه في ظل عجز الأدوات التقليدية عن كبح الجريمة، وأن أي نقاش حول الحريات يجب ألا يغفل حق المواطنين في الأمن.
لماذا يقلق الصحفيون؟
المعضلة الكلاسيكية هنا هي أن القوانين المكتوبة لمكافحة الجريمة قد تُستخدم — عمداً أو سهواً — ضد الصحافة. فعندما تُمنح الشرطة صلاحيات تفتيش ومصادرة واسعة دون ضمانات قضائية وصحفية كافية، يصبح كل تحقيق استقصائي عن الفساد أو الجريمة المنظمة مشروع «خطر» محتمل على الصحفي نفسه.
ويحذّر الصحفيون في ترينيداد وتوباغو من أن مجرد وجود القانون بصيغته الحالية قد يدفع الصحفيين إلى الرقابة الذاتية: تجنّب المواضيع الحساسة، وحماية المصادر عبر الامتناع عن توثيقها، وهي كلها ممارسات تُضعف الصحافة الاستقصائية التي تعتمد عليها الديمقراطيات لمحاسبة السلطة.
سياق أوسع: حرية الصحافة تحت الضغط
لا تحدث هذه الأزمة في فراغ. ففي السنوات الأخيرة، واجه الصحفيون حول العالم ضغوطاً متزايدة: من قوانين مكافحة الإرهاب الفضفاضة إلى الملاحقات القضائية، مروراً بالاعتقالات. وفي العالم العربي، دفعت الذكرى العشرون لاغتيال الصحفية الروسية آنا بوليتكوفسكايا كثيرين إلى التذكير بالثمن الباهظ الذي يدفعه الصحفيون، بينما شهدت مصر اعتصاماً لصحفيين في القاهرة احتجاجاً على التضييق على عملهم.
قضية ترينيداد وتوباغو تذكّر بأن حرية الصحافة ليست مكتسباً نهائياً حتى في الديمقراطيات المستقرة، وأن كل قانون أمني جديد يحتاج إلى ميزان دقيق بين حماية المجتمع وحماية الحق في المعرفة.
أسئلة شائعة
ما هو «قانون العمليات الخاصة 2026»؟
هو قانون أقرّته ترينيداد وتوباغو في 24 سبتمبر 2026، يوسّع صلاحيات الشرطة في التفتيش والمصادرة ضمن عمليات مكافحة الجريمة، وتقول الحكومة إنه ضروري لمواجهة معدلات الجريمة والقتل المرتفعة في ظل حالة طوارئ شبه دائمة مستمرة منذ أكثر من عام.
لماذا يعترض الصحفيون عليه؟
لأن المادة 15 لا تسمّي الصحافة صراحة كمهنة محمية، ولا توجد إجراءات لحماية المواد الصحفية السرية أثناء التفتيش. وتحذّر رابطة الإعلام (MATT) ومنظمة «المادة 19» من أن الصياغة الفضفاضة قد تسمح بمصادرة هواتف الصحفيين وحواسيبهم ودفاترهم، ما يهدد حماية المصادر ويشجّع الرقابة الذاتية.
ماذا تريد الحكومة من القانون؟
تقول الحكومة إن القانون مصمّم لمعالجة معدلات الجريمة والقتل «المرتفعة بشكل مثير للقلق» في البلاد، وترى أن توسيع صلاحيات الشرطة ضروري في ظل عجز الأدوات التقليدية.
هل حرية الصحافة مهددة فعلاً في ترينيداد وتوباغو؟
تُعتبر ترينيداد وتوباغو من الدول التي تتمتع تقليدياً بحرية صحافة قوية في منطقة الكاريبي، لكن الصحفيين يحذّرون من أن القانون الجديد قد يقوّض هذه المكانة ما لم تُضف إليه ضمانات صريحة لحماية العمل الصحفي.
المصادر
- The Guardian — theguardian.com — احتجاجات الصحفيين على قانون العمليات الخاصة، 6 أكتوبر 2026.



