قررت الحكومة الفنلندية، يوم الخميس، منح شركة «بوسيفا» (Posiva) رخصة تشغيل منشأة تغليف الوقود النووي المستنفَد ومستودعه الجيولوجي النهائي في موقع أولكلوتو بمدينة أورايوكي، لتصبح بذلك أول دولة في العالم ترخّص مستودعًا دائمًا للنفايات النووية، بعد أكثر من عقدين من أعمال البناء وأربعة عقود من الدراسات.
وقال الرئيس التنفيذي لبوسيفا، إلكا بويكولاينن، في بيان: «هذا يوم عظيم وتاريخي لبوسيفا ولفنلندا». Daily Sabah
ماذا يعني القرار؟
الرخصة، التي تستمر حتى نهاية عام 2070، تُخوّل الشركة تخزين ما يصل إلى 6,500 طن من اليورانيوم من الوقود المستنفَد الناتج عن مفاعلات أولكلوتو ولوفييسا الفنلندية الخمسة. وستُغلَّف النفايات في أسطوانات نحاسية مقاومة بشدة للتآكل، ثم تُنزَل في حُفر محفورة داخل أنفاق الصخور على عمق يتجاوز 400 متر، تُملأ بطين البنتونيت وتُغلَق بسدادات من الخرسانة المسلحة بالفولاذ. الحكومة الفنلندية
الموقع، المسمى «أونكالو» وتعني الكلمة بالفنلندية «الكهف»، حُفر في صخور مستقرة يبلغ عمرها 1.9 مليار سنة. وبينما تبدأ العمليات الفعلية «قريبًا» دون جدول دقيق معلن، أكدت الشركة أن مرحلة التشغيل التجريبي — بما فيها الفحوص التي يجب أن تتحقق منها هيئة السلامة الإشعاعية والنووية (STUK) وتوافق عليها — يجب أن تُستكمل أولًا.
مشروع عمره أجيال
المدهش في قصة أونكالو ليس تقنيتها وحسب، بل الزمن الذي بُنيت عليه: بدأت فنلندا التفكير الجدي في التخلص النهائي من النفايات النووية في الثمانينيات، وصدر المبدأ الحكومي بالموافقة على المستودع عام 2000، وبدأ حفر أونكالو كمنشأة بحثية عام 2004، ثم مُنحت رخصة البناء عام 2015، وتقدمت بوسيفا بطلب رخصة التشغيل في ديسمبر 2021.
وفي 4 أغسطس 2026، أصدرت STUK رأيًا إيجابيًا بشأن السلامة بعد مراجعة استمرت سنوات وتجاوزت جدولها الزمني الأصلي، لتفتح الطريق أمام القرار الحكومي يوم الخميس. وهذا التأنّي ليس عبثًا: فالوقود النووي المستنفَد يبقى شديد الإشعاع لعشرات آلاف السنين، ولن تعود مستوياته إلى ما يشبه خام اليورانيوم الطبيعي قبل نحو 100 ألف عام، بحسب تقديرات بوسيفا.
حل لمعضلة عالمية
منذ بناء أولى المحطات النووية في الخمسينيات، ظلت الدول تتخبط في سؤال: أين نضع هذا الخطر؟ واليوم، معظم النفايات النووية العالمية مخزَّنة مؤقتًا في أحواض ومستودعات سطحية — حلول يُفترض أنها انتقالية لكنها استمرت عقودًا.
أونكالو يقلب هذه المعادلة: مخطط لنحو 100 نفق دفن بطول إجمالي يُقارب 35 كيلومترًا، وبمعدل لا يتجاوز 60 أسطوانة سنويًا، يُتوقع أن يستمر الدفن حتى عشرينيات القرن الثاني والعشرين (2120s) قبل أن تُردم المنشأة وتُغلَق، وتنتقل المسؤولية عنها إلى الدولة الفنلندية.
الدرس الأوسع هنا يتجاوز فنلندا: العالم يعيش موجة إحياء المفاعلات النووية المغلقة لتشغيل مراكز البيانات، ومع كل مفاعل جديد سؤال جديد عن مصير نفاياته. النموذج الفنلندي — الصبر المؤسسي، والشفافية التنظيمية، والقبول المجتمعي المحلي — بات الآن المرجع العملي الأول لكل من السويد وكندا وفرنسا التي تبني برامجها الخاصة.
تحديات ما بعد الترخيص
الترخيص لا يعني أن المشكلات انتهت. فأسئلة السلامة على مدى آلاف السنين تتجاوز أي اختبار هندسي تقليدي: كيف تضمن بقاء علامات التحذير مفهومة لأجيال لم تولد بعد؟ وكيف تُدار المخاطر الجيولوجية على مدى أزمنة تفوق عمر الحضارات؟
هيئة STUK فرضت شروطًا صارمة: تقييمات دورية للسلامة، وتبريرات مُحدَّثة للسلامة طويلة الأمد، وحدودًا على النفايات ذات المستوى المنخفض والمتوسط الناتجة عن التشغيل (لا تتجاوز 3,000 متر مكعب إطلاقًا). كما شمل الترخيص كميات محدودة من النفايات المشعة الأخرى المتولدة في فنلندا، بما فيها نفايات الرعاية الصحية والمؤسسات البحثية.
أسئلة شائعة
ما هو مستودع أونكالو؟
أونكالو (وتعني «الكهف» بالفنلندية) هو مستودع جيولوجي عميق للتخلص النهائي من الوقود النووي المستنفَد، يقع قرب محطة أولكلوتو للطاقة النووية في بلدية أورايوكي بغرب فنلندا، على عمق يزيد عن 400 متر في صخور مستقرة. تديره شركة بوسيفا المملوكة لشركتي الطاقة TVO وفورتم، وهو أول مستودع من نوعه يحصل على رخصة تشغيل في العالم.
كيف تُخزَّن النفايات النووية في أونكالو؟
يُغلَّف الوقود المستنفَد في أسطوانات من الحديد والنحاس شديدة المقاومة للتآكل، ثم تُنزَل في حُفر محفورة داخل أنفاق الصخور، تُحاط بطين البنتونيت الذي يمتص المياه ويمنع التسرب، وأخيرًا تُغلَق الأنفاق بسدادات من الخرسانة المسلحة بالفولاذ.
كم ستبقى النفايات خطرة؟
ستبقى شديدة الإشعاع لعشرات آلاف السنين. وبعد نحو 100 ألف عام، ستصبح مستويات الإشعاع مماثلة تقريبًا لخام اليورانيوم الطبيعي الذي صُنع منه الوقود أصلًا، وفق تقديرات بوسيفا.
متى يبدأ الدفن الفعلي؟
لم تُعلن الشركة جدولًا دقيقًا، لكنها تستهدف الجاهزية التشغيلية بحلول نهاية 2026، بعد استكمال مرحلة التشغيل التجريبي والفحوص التي يجب أن تتحقق منها هيئة السلامة النووية الفنلندية STUK وتوافق عليها. Daily Sabah
لماذا يُعتبر هذا الحدث تاريخيًا؟
لأنه أول حل دائم مرخّص لمشكلة النفايات النووية منذ بداية العصر النووي في الخمسينيات. فبينما تخزن معظم دول العالم نفاياتها «مؤقتًا» منذ عقود، أصبح لدى فنلندا الآن خارطة طريق ملموسة تمتد لأكثر من قرن، وباتت مرجعًا عالميًا لدول مثل السويد وكندا وفرنسا.



