في قاعة البرلمان الأوروبي بستراسبورغ، وبينما كانت قاعة الجلسات تضج بالتصفيق الوقوف، أعلنت رئيسة البرلمان روبرتا ميتسولا اسم الفائز بجائزة سخاروف لحرية الفكر لعام 2026: المحكمة الجنائية الدولية ومسؤولوها. لم يكن الإعلان مجرد تكريم حقوقي روتيني — فقد جاء بعد أيام قليلة فقط من إعلان إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عقوبات غير مسبوقة على المحكمة نفسها، في لحظة أصبحت فيها المحكمة ساحة مواجهة مفتوحة بين أوروبا وواشنطن حول مستقبل العدالة الدولية.
ماذا حدث في ستراسبورغ؟
أعلنت ميتسولا القرار يوم الخميس 22 أكتوبر خلال الجلسة العامة في ستراسبورغ، بعد تصويت مؤتمر الرؤساء الذي يضم رئيسة البرلمان وقادة الكتل السياسية. وقالت: «الاتحاد الأوروبي مبني على احترام التعددية والمؤسسات الدولية، وهذه الجائزة تكرّم العمل المهم للمحكمة في دعم القانون الدولي والعدالة». Reuters
وترشيح المحكمة جاء من كتلة الاشتراكيين والديمقراطيين وحظي بدعم كتل الخضر والتجديد واليسار، متفوقًا على المرشحين الآخرين: زعيم المعارضة التنزانية توندو ليسو، والأختين الإيرانيتين التوأم ترانه ورومينا رحيمي المحكوم عليهما في طهران. وسيتسلم القضاة والمسؤولون الجائزة، البالغة قيمتها 50 ألف يورو، في حفل رسمي بستراسبورغ يوم 16 ديسمبر، في آخر جلسة عامة للعام.
رسالة أوروبية في وجه العقوبات الأمريكية
توقيت الجائزة يكاد يتحدث عن نفسه: فقبل أقل من أسبوعين، أعلنت إدارة ترامب عقوبات شاملة على المحكمة تستهدف عمليتها اليومية — إذ تقطع عنها الخدمات المالية والشركات التكنولوجية الأمريكية، بل وتمنع استخدام الدولار الأمريكي في تعاملاتها، مع منح الشركات والأفراد الأمريكيين مهلة ستة أشهر لإنهاء تعاملاتهم مع المحكمة. AP
وتصعيد واشنطن ليس جديدًا: حملة ترامب ضد المحكمة تفاقمت منذ إصدارها مذكرات اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق العام الماضي. وقد وصف ترامب حينها النوبل بأنه «مخزٍ» وأعلن وزير خارجيته ماركو روبيو حظر التعاملات مع المحكمة بعد انتهاء المهلة. وكانت Chronicle قد غطّت سابقًا العقوبات الأمريكية التي أُعلنت بعد فوز بيلاي بالنوبل، كما غطّت فوز القاضية السابقة نافي بيلاي بجائزة نوبل للسلام.
ورحّبت رئيسة المحكمة، القاضية اليابانية توموكو أكاني، بالجائزة قائلة إنها «تأتي في وقت تواجه فيه المحكمة ومسؤولوها تحديات غير مسبوقة»، وإنها «تعيد التأكيد على أهمية المؤسسات القضائية المستقلة ومن يعملون لدعم القانون الدولي». وأضافت قولتها التي أصبحت شعار الدفاع عن المحكمة: «لا سلام من دون عدالة، ولا أمن من دون قانون».
ما هي جائزة سخاروف؟
الجائزة التي تحمل اسم المنشق السوفيتي والحائز على نوبل أندريه سخاروف تُمنح سنويًا منذ عام 1988 لأفراد أو جماعات يدافعون عن حقوق الإنسان والحريات الأساسية. وهي أرفع تكريم حقوقي في الاتحاد الأوروبي. وكان فائز عام 2025 الصحفي البيلاروسي أندجي بوتشوبوت وزميلته الجورجية مزيا أماغلوبيلي.
ردود الفعل: أوروبا تتعهد بالدفاع عن المحكمة
قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بعد الإعلان إن «المحكمة الجنائية الدولية يجب أن تكون حرة في متابعة مهمتها، بشكل مستقل، ومن دون ضغط أو ترهيب». وأشار البرلمان الأوروبي في تقاريره السنوية إلى «قلقه العميق» إزاء موجات العقوبات التي تتعرض لها المحكمة منذ 2025، واعتبرها «هجمات خطيرة على نظام العدالة الدولية». European Parliament
في المقابل، لم تُظهر واشنطن أي نية للتراجع: إدارة ترامب تعهدت بـ«تفكيك» المحكمة «طوبة بطوبة»، فيما ردّت ثماني دول بإدانة علنية للعقوبات الأمريكية، كما غطّت Chronicle في تقرير سابق عن إدانة ثماني دول للعقوبات الأمريكية على المحكمة.
أسئلة شائعة
لماذا مُنحت الجائزة للمحكمة الجنائية الدولية تحديدًا؟
لأن البرلمان الأوروبي أراد تكريم دور المحكمة في ملاحقة أخطر الجرائم — الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية — كمؤسسة قضائية مستقلة، ولإرسال رسالة سياسية واضحة بأن أوروبا تقف مع العدالة الدولية في وقت تتعرض فيه المحكمة لعقوبات وضغوط غير مسبوقة.
ما هي العقوبات الأمريكية المفروضة على المحكمة؟
أعلنت إدارة ترامب في 9 أكتوبر عقوبات تستهدف مؤسسة المحكمة ذاتها: حظر التعاملات المالية، وقطع الخدمات التكنولوجية الأمريكية، ومنع استخدام الدولار، مع مهلة ستة أشهر للشركات والأفراد الأمريكيين لإنهاء أي تعامل مع المحكمة. وجاء الإعلان بعد ساعات من فوز القاضية السابقة نافي بيلاي بجائزة نوبل للسلام.
متى سيتم تسليم الجائزة؟
من المقرر أن يتسلم مسؤولو المحكمة الجائزة البالغة 50 ألف يورو في حفل رسمي بالبرلمان الأوروبي في ستراسبورغ يوم 16 ديسمبر، في آخر جلسة عامة للسنة البرلمانية.
هل أثارت الجائزة جدلًا سياسيًا داخل أوروبا؟
نعم، إذ انقسمت الكتل اليمينية: أحزاب الشعب الأوروبي والمحافظون الأوروبيون وأوروبا الأمم السيادية دعمت المرشح التنزاني توندو ليسو، بينما تمسكت كتلة «وطنيون من أجل أوروبا» بمرشحتيها الإيرانيتين. لكن تحالف اليسار والخضر والتجديد كان كافيًا لمنح المحكمة أكبر عدد من الأصوات.
المصادر
- Reuters — المحكمة الجنائية الدولية تفوز بجائزة سخاروف الأوروبية لعام 2026: https://www.reuters.com/world/international-criminal-court-wins-eus-2026-sakharov-prize-2026-10-22/
- AP (via La Nación) — الاتحاد الأوروبي يمنح أرفع جائزة حقوقية للمحكمة الجنائية الدولية بعد أيام من عقوبات ترامب: https://www.lanacion.com.ar/usa/european-union-awards-top-rights-prize-to-international-criminal-court-days-after-trump-sanctions-nid22102026/
- European Parliament — المحكمة الجنائية الدولية ومسؤولوها يُمنحون جائزة سخاروف: https://www.europarl.europa.eu/news/en/press-room/20261018IPR48263/the-international-criminal-court-and-its-officials-awarded-the-sakharov-prize
- Brussels Signal — البرلمان الأوروبي يمنح جائزة سخاروف للمحكمة الجنائية الدولية: https://brusselssignal.eu/2026/10/european-parliament-awards-sakharov-prize-to-international-criminal-court/
- SCMP — الاتحاد الأوروبي يمنح أرفع جائزة حقوقية للمحكمة وسط عقوبات ترامب: https://www.scmp.com/news/world/europe/article/3371801/eu-gives-top-human-rights-award-icc-amid-trump-sanctions



