لم تمضِ ساعات على انتهاء لقاء المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في سانت بطرسبرغ حتى كانت سماء كييف تشتعل. ففي ليل الأربعاء-الخميس، شنّت روسيا ثلاث موجات متتالية من الضربات الصاروخية على العاصمة الأوكرانية، موقعة قتيلًا واحدًا على الأقل وأكثر من عشرين جريحًا بينهم أربعة أطفال — رسالة نارية قاسية في توقيت لا يبدو بريئًا، إذ جاءت بينما كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يعلن أن العالم «أقرب ما كان» إلى إنهاء الحرب.

ما الذي حدث الليلة الماضية؟

بحسب السلطات الأوكرانية، بدأت الموجة الأولى من الضربات مساء الأربعاء 21 أكتوبر، ثم استمرت الهجمات حتى الساعات الأولى من فجر الخميس. استهدفت الصواريخ خمسة أحياء في كييف على الأقل — هولوسيفسكي وأوبولونسكي وبيتشيرسكي وسفياتوشينسكي ودنيبرو — وطالت بنى تحتية للنقل والمرافق الطبية، إضافة إلى منازل سكنية ومحطة وقود، بحسب تقارير ميدانية. Al Jazeera

رئيس بلدية كييف فيتالي كليتشكو كتب على وسائل التواصل أن ضربات المساء الأولى وحدها أصابت ستة أشخاص في العاصمة، أدخل أربعة منهم إلى المستشفيات، بينما حذّرت قيادة سلاح الجو الأوكراني فجرًا من «مزيد من الصواريخ الباليستية باتجاه كييف» وأمرت السكان بالبقاء في الملاجئ. وارتفع العدد الإجمالي صباحًا إلى قتيل واحد و22 جريحًا على الأقل، بحسب خدمة الطوارئ الوطنية.

ذخائر عنقودية وصواريخ «زيركون» و«أونيكس»

التفاصيل العسكرية التي كشفها المسؤولون الأوكرانيون ترسم صورة هجوم مركّب وكثيف: قال الرئيس فولوديمير زيلينسكي إن روسيا أطلقت 21 صاروخًا، بينما تحدث سلاح الجو الأوكراني عن هجوم مشترك شمل صواريخ «إسكندر-إم» و«إس-400» و«زيركون» و«أونيكس»، إلى جانب 210 مسيّرات بأنواع مختلفة بينها 110 مسيّرات نفاثة. الدفاعات الجوية الأوكرانية قالت إنها أسقطت 181 مسيّرة، وسُجّلت الضربات في 32 موقعًا.

أما الأخطر، فهو ما كشفه المستشار الرئاسي سيرهي بيسكريستنوف المعروف بلقب «فلاش»: أحد صواريخ إسكندر كان يحمل رأسًا عنقوديًا من طراز K5 — ما يعني أن روسيا استخدمت الذخائر العنقودية فوق مناطق سكنية في العاصمة. The Kyiv Independent

من أوسلو إلى سانت بطرسبرغ: لقاء ويتكوف وبوتين

الهجوم جاء في أعقاب 48 ساعة دبلوماسية مكثفة: كان ويتكوف قد التقى الرئيس الأوكراني زيلينسكي في أوسلو يوم الثلاثاء 20 أكتوبر في محادثات هدفت إلى رأب الصدع المرير بين ترامب والقائد الأوكراني، ثم طار إلى سانت بطرسبرغ للقاء بوتين يوم الأربعاء، في ما غطّته Chronicle سابقًا في تقرير «ويتكوف يهبط في سانت بطرسبرغ». شارك صهر ترامب جاريد كوشنر في المحادثات عن بُعد.

بعد اللقاء، بدا ويتكوف متفائلًا: أشاد ببوتين ووصفه بـ«الإنسانية» لقراره الإفراج عن المواطن الأمريكي ستيفن هابارد بعد أربع سنوات في السجون الروسية، وقال ترامب إنه أصبح «أقرب ما كنا إليه» من إنهاء الحرب. لكن الكرملين سرعان ما خفّض سقف التوقعات، معلنًا أن موسكو مستعدة «من حيث المبدأ» لاستئناف المحادثات الثلاثية مع أوكرانيا والولايات المتحدة، لكن مقترحات السلام الأوكرانية والأوروبية التي حملها الدبلوماسي الأمريكي «تفتقر إلى الجوهر».

زيلينسكي ردّ بمرارة ساخرة: «ثلاث موجات من الضربات الباليستية شنّها «الإنسانيون» الروس على كييف منذ المساء» — في إشارة مباشرة إلى وصف ويتكوف لبوتين. وكانت أوكرانيا قد قالت في بيان موازٍ إن «المهادنة لن تنهي الحرب». The Hindu

تصعيد متبادل وضحايا على الجانبين

الهجوم على كييف ليس منعزلًا: ففي اليوم السابق (الأربعاء 21 أكتوبر) قُتل أربعة أشخاص في موجة هجمات روسية عبر أوكرانيا — اثنان في كييف إثر ضربة مسيّرة على مبنى سكني من 24 طابقًا، وزوجان مسنّان في منطقة خاركيف شمال شرق البلاد. وفي المقابل، قالت السلطات الروسية إنها اعترضت خلال الليل عشرات المسيّرات، بينها أكثر من 160 كانت متجهة نحو موسكو، بينما أُصيب رجل في مدينة ليبيتسك — موطن مصنع صلب كبير على بعد نحو 400 كيلومتر جنوب موسكو — عندما أصابت المسيّرات مباني سكنية ومنشأة طبية.

ماذا يعني هذا لمسار السلام؟

الصورة متناقضة بشكل صارخ: دبلوماسية أمريكية تروّج لأكبر اختراق منذ سنوات، وأرضية واقعية من الصواريخ والذخائر العنقودية. لقد غطّت Chronicle قبل أيام استعداد موسكو المُعلن لاستئناف المحادثات الثلاثية في نوفمبر، كما غطّت محادثات أوسلو التي سبقت لقاء سانت بطرسبرغ. لكن الهجوم الليلي يطرح سؤالًا محوريًا: هل تستغل موسكو الضغط الأمريكي على كييف لفرض واقع ميداني جديد، أم أن التصعيد مجرد ورقة تفاوض تقليدية؟

السيناريو الأخطر على كييف هو أن إدارة ترامب — التي باتت تضغط علنًا على أوكرانيا لتقديم تنازلات، كما كشفت تقارير سابقة عن محادثات ميامي — قد تقرأ هذا التصعيد كدليل على «ضرورة» قبول كييف بشروط موسكو، لا كمبرر لتشديد العقوبات. وفي كل الأحوال، أثبتت ليلة 21 أكتوبر أن القنابل تتحدث بصوت أعلى من بيانات الدبلوماسيين.

أسئلة شائعة

كم عدد الضحايا في هجوم كييف الليلي؟

أعلنت خدمة الطوارئ الوطنية الأوكرانية مقتل شخص واحد على الأقل وإصابة 22 شخصًا، بينهم أربعة أطفال نُقل أحدهم إلى المستشفى. وقد تختلف الأرقام قليلًا بين المصادر نظرًا لاستمرار عمليات الإنقاذ وتحديث الحصيلة.

لماذا يُعتبر توقيت الهجوم مهمًا؟

لأن الضربات جاءت بعد ساعات فقط من لقاء المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف بالرئيس الروسي بوتين في سانت بطرسبرغ، وبعد يومين من تصريحات ترامب بأن العالم «أقرب ما كان» إلى إنهاء الحرب — ما يجعل الهجوم يبدو رسالة روسية متعمدة بأن موسكو لن توقف عملياتها العسكرية تحت ضغط الدبلوماسية.

ما هي الذخائر العنقودية التي زُعم استخدامها؟

قال المستشار الرئاسي الأوكراني سيرهي بيسكريستنوف إن أحد صواريخ «إسكندر» التي سقطت على كييف كان يحمل رأسًا عنقوديًا من طراز K5، أي ذخيرة تنثر قنابل صغيرة فوق مساحة واسعة — وهي أسلحة تُعد محظورة بموجب اتفاقية دولية لم توقعها روسيا ولا أوكرانيا ولا الولايات المتحدة.

هل توقفت المحادثات بعد الهجوم؟

لا — على الأقل ليس رسميًا. الكرملين قال إنه مستعد «من حيث المبدأ» لاستئناف المحادثات الثلاثية، لكنه وصف المقترحات المقدمة بأنها تفتقر إلى «الجوهر». لم يعلن البيت الأبيض بعد عن أي تغيير في موقفه بعد الهجوم الليلي.

المصادر

تغطيات ذات صلة من Chronicle