أعلنت كريستين لاغارد يوم الخميس أنها ستغادر رئاسة البنك المركزي الأوروبي في 7 فبراير 2027، منهيةً بذلك نحو سبع سنوات على رأس السياسة النقدية لمنطقة اليورو قبل نحو تسعة أشهر من الموعد المقرر لانتهاء ولايتها، وممهّدةً لسباق خلافة سيُحسم في خضمّ توترات سياسية واقتصادية متصاعدة في القارة.

جدول المحتويات

وقال البنك في بيان إن لاغارد أبلغت مجلس المحافظين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا بقرارها، فيما أعلن كوستا أن عملية اختيار الخليفة ستبدأ فوراً بهدف التوصل إلى قرار سريع. وكان من المقرر أن تنتهي ولاية لاغارد، غير القابلة للتجديد والممتدة لثماني سنوات، في 31 أكتوبر 2027، بعدما تولت المنصب في الأول من نوفمبر 2019.

إعلان في يوم قرار الفائدة

جاء الإعلان قبل ساعات فقط من قرار السياسة النقدية لشهر أكتوبر، في توقيت لم يمرّ دون ملاحظة الأسواق. فالبنك المركزي الأوروبي يخوض حالياً دورة رفع للفائدة في مواجهة صدمة أسعار النفط المرتبطة بحرب إيران، بينما ترتفع عوائد السندات الحكومية — لا سيما في فرنسا المثقلة بالديون — بما يرفع كلفة الاقتراض على الأسر والشركات. وكان من المتوقع على نطاق واسع أن يُبقي البنك سعر الفائدة على الودائع عند 2.5% مع الإبقاء على احتمال زيادة أخرى، ربما في ديسمبر، وفق ما ذكرت CNN.

ووفقاً لما أوردته صحيفة وول ستريت جورنال، فقد حيّا مجلس المحافظين لاغارد بالتصفيق وقوفاً، في لفتة تعكس المكانة التي بنتها داخل مؤسسة كانت منقسمة يوم وصلت إليها.

توقيت سياسي يثير الجدل

لا يمكن فصل توقيت الرحيل عن السياسة الفرنسية. فبمغادرتها في فبراير، تتيح لاغارد للرئيس الفرنسي المنتهية ولايته إيمانويل ماكرون المشاركة في اختيار خليفتها قبل الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة في الربيع، والتي تُظهر استطلاعات الرأي فيها مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان في موقع متقدم. وقد أثار ذلك انتقادات حادة من مراقبي البنوك المركزية، الذين يرون في التوقيت مساساً باستقلالية المؤسسة التي تحرص بشدة على إبعاد نفسها عن الحسابات السياسية.

وقال بول دي غروف، أستاذ الاقتصاد في كلية لندن للاقتصاد، إن الخطوة «تُضعف المؤسسة وتتبع حسابات سياسية محضة للرئيس الفرنسي»، بينما اعتبر النائب الأوروبي الألماني ماركوس فيربر أن الاستقالة المبكرة تبعث «إشارة خاطئة» في ظل التضخم المرتفع وتوتر أسواق السندات والانتخابات المرتقبة. أما لاغارد نفسها فقد شددت على أنها لن تكون مرشحة للرئاسة الفرنسية، لكنها قالت إنها ستدافع عن القيم المؤيدة لأوروبا «بأي صفة» تراها أكثر فاعلية، وإنها تريد حرية أكبر للتعبير عن آرائها في شؤون غير نقدية، بما فيها التطورات في بلدها.

من يخلف لاغارد؟

يُعيَّن رئيس البنك المركزي الأوروبي من قبل المجلس الأوروبي وفق المادة 283 من معاهدة عمل الاتحاد الأوروبي، بعد مشاورات مع البرلمان الأوروبي ومجلس المحافظين. وقد برز اسمان كأوفر المرشحين حظاً: الهولندي كلاس نوت، المحافظ السابق للبنك المركزي الهولندي، والإسباني بابلو هرنانديز دي كوس، المحافظ السابق لبنك إسبانيا. ويُتوقع أن تبدأ المشاورات بين العواصم الأوروبية فوراً، إذ يسعى كوستا إلى قرار سريع قبل أن تتعقد الحسابات الانتخابية أكثر.

ويأتي السباق على خلفية اقتصادية صعبة: فإلى جانب التضخم المدفوع بأسعار الطاقة، تواجه فرنسا ضغوطاً مالية متزايدة دفعت عوائد سنداتها إلى مستويات لم تُسجَّل منذ سنوات، وهو ملف كانت لاغارد نفسها قد حذّرت من تداعياته على النمو والتضخم، كما تناولنا في مقال سابق عن إشارات القلق من ديون فرنسا.

ولاية بدأت بشكوك وانتهت بإشادة

وصلت لاغارد إلى فرانكفورت عام 2019 وهي أول رئيس للبنك المركزي الأوروبي بلا تكوين أكاديمي في الاقتصاد أو خبرة في البنوك المركزية، بعد مسيرة كوزيرة للمالية الفرنسية ثم مديرة عامة لصندوق النقد الدولي. ووصفها بعض المشاركين في الأسواق آنذاك بأنها «خطر على المصداقية»، حتى إنها اعترفت لاحقاً بأنها قبلت المنصب معتقدة أن الولاية خمس سنوات لا ثماني.

لكن ولايتها هيمنت عليها الجائحة، ثم صدمتا طاقة، ثم أسوأ موجة تضخم في تاريخ منطقة اليورو — ومع ذلك، يرى كثير من الاقتصاديين أن سجلها فاق توقعات المشككين. فقد نجح البنك المركزي الأوروبي في إعادة التضخم إلى الانخفاض بوتيرة أسرع من نظيريه البريطاني والأميركي، بحسب الاقتصادي ويليم بويتر. وقالت لاغارد في مقطع مصور نشرته يوم الخميس: «كان فخراً عظيماً وامتيازاً هائلاً أن أخدم هذه المؤسسة... أغادرها وأنا أشعر بأن عملاً جيداً قد أُنجز».

ولم تعلن لاغارد وجهتها المقبلة، غير أن اسمها ارتبط منذ أشهر باحتمال تولي رئاسة المنتدى الاقتصادي العالمي، وهو احتمال عاد إلى الواجهة مع إعلان رحيلها.

ما الذي يعنيه الرحيل لمنطقة اليورو؟

يُعدّ رئيس البنك المركزي الأوروبي واحداً من أكثر المناصب الاقتصادية تأثيراً في العالم، إذ يحدد مسار الفائدة لعشرين دولة تستخدم اليورو ونحو 350 مليون مواطن. وأي فراغ أو صراع سياسي حول الخلافة قد يربك الأسواق، خصوصاً في وقت تشهد فيه فرنسا — ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو — اضطراباً سياسياً ومالياً، وارتفعت فيه عوائد سنداتها إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات، كما أشرنا في تغطيتنا لارتفاع عوائد السندات الفرنسية.

ومن هنا، فإن سرعة حسم الخلافة ستكون الاختبار الأول: فإما أن يُقدَّم خليفة يحظى بتوافق واسع يعزز ثقة الأسواق، أو أن يتحول المنصب إلى ورقة مساومة بين العواصم الأوروبية في أشهر حاسمة قبل الانتخابات الفرنسية.

أسئلة شائعة

متى ستغادر كريستين لاغارد منصبها؟

ستتنحى لاغارد عن رئاسة البنك المركزي الأوروبي في 7 فبراير 2027، قبل نحو تسعة أشهر من انتهاء ولايتها المقررة في 31 أكتوبر 2027.

لماذا يثير توقيت رحيلها الجدل؟

لأن الرحيل المبكر يتيح للقادة الأوروبيين الحاليين، بمن فيهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اختيار الخليفة قبل الانتخابات الرئاسية الفرنسية في ربيع 2027، وهو ما يعتبره منتقدون تدخلاً سياسياً في مؤسسة يفترض أن تكون مستقلة.

من هم أبرز المرشحين لخلافتها؟

يُتداول اسمَا المحافظ السابق للبنك المركزي الهولندي كلاس نوت والمحافظ السابق لبنك إسبانيا بابلو هرنانديز دي كوس كأوفر المرشحين حظاً، ويُعيَّن الخليفة رسمياً من قبل المجلس الأوروبي.

ماذا سيحدث لسياسة الفائدة بعد رحيلها؟

لا يتوقع أن يتغير المسار فوراً، إذ تُتخذ قرارات الفائدة جماعياً داخل مجلس المحافظين، لكن شخصية الخليفة وتوجهه — بين التشدد في مواجهة التضخم والتيسير لدعم النمو — سترسم ملامح السياسة النقدية للسنوات المقبلة.