تجاوز سعر عقد الغاز الطبيعي الأوروبي القياسي مستوى 100 يورو للميغاواط/ساعة يوم الأربعاء 28 أكتوبر 2026، لأول مرة منذ ديسمبر 2022، في ذروة أزمة الطاقة التي أعقبت الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا. وارتفع عقد الشهر المقبل في مركز «تي تي إف» الهولندي، وهو المؤشر المرجعي لأسعار الغاز في أوروبا، بأكثر من 4% خلال الجلسة ليتداول لفترة وجيزة عند 100 يورو، وفق بيانات بورصة «إنتركونتيننتال» (ICE) التي نقلتها رويترز.
وجاء هذا الاختراق بعد ساعات فقط من تحذير مفوض الطاقة الأوروبي دان يورغنسن من أن القارة تواجه أزمة طاقة جديدة وشتاءً صعباً، قائلاً للصحفيين في بروكسل بعد اجتماع مع مصافي النفط الأوروبية: «مرة أخرى، وبسبب الاضطرابات الجيوسياسية، تواجه أوروبا أزمة طاقة أخرى... نعلم أن هذا الشتاء سيكون صعباً على المواطنين الأوروبيين وعلى اقتصادنا عموماً»، مضيفاً أن فواتير الوقود في الاتحاد الأوروبي «ترتفع بجنون».
Table of Contents
- ثلاثة أضعاف مستواها قبل حرب إيران
- مخزونات عند 75% فقط قبل الشتاء
- لماذا يرتفع الغاز أسرع من النفط؟
- الفواتير والصناعة تحت الضغط
- هل يتكرر سيناريو 2022؟
- أسئلة شائعة
ثلاثة أضعاف مستواها قبل حرب إيران
كان عقد «تي تي إف» يتداول عند نحو 32 يورو للميغاواط/ساعة قبل اندلاع حرب إيران في أواخر فبراير، أي أن الأسعار تضاعفت أكثر من ثلاث مرات منذ ذلك الحين، رغم أنها لا تزال بعيدة كثيراً عن ذروتها القياسية البالغة نحو 340 يورو التي سجلتها في أغسطس 2022. ويرى محللون أن الارتفاع الأخير يعكس مزيجاً من مخاوف جيوسياسية وعوامل موسمية: فالتقارير عن احتمال شنّ الولايات المتحدة موجة ضربات جديدة على إيران بعد انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر أثارت مخاوف من ردّ إيراني يستهدف البنية التحتية للطاقة في الخليج، بينما تستعد الدول الأوروبية لتخزين الغاز قبل الشتاء.
وقال أرنه لومان راسموسن، كبير المحللين في «غلوبال ريسك مانجمنت»، إن «المخاوف من تصعيد جديد في الشرق الأوسط تدفع الأسعار إلى الارتفاع»، مضيفاً أن توقعات الطقس تدعم الأسعار أيضاً، إذ يُتوقع انخفاض توليد طاقتي الرياح والشمس، ما يزيد الطلب على الغاز.
مخزونات عند 75% فقط قبل الشتاء
تدخل أوروبا موسم التدفئة، وهو الفترة التي يرتفع فيها الطلب عادة، بمخزونات أضعف بكثير من المعتاد. فوفق وكالة الاتحاد الأوروبي لتعاون منظمي الطاقة (ACER)، بلغت مخزونات الغاز في الدول الأعضاء نحو 75% من سعة التخزين فقط حتى 21 أكتوبر، وهو مستوى أدنى بكثير من هدف الاتحاد المتمثل في ملء 90% بحلول الأول من نوفمبر من كل عام، وأدنى من متوسط السنوات التسع الماضية. أما ألمانيا، أكبر اقتصاد في القارة، فمخزوناتها عند نحو 60% فقط، أي أقل بكثير من العام الماضي.
وقال ماتيو أوتينغ، محلل الغاز والغاز المسال في «ريستاد إنرجي»: «مع اقتراب الشتاء، تمتلك أوروبا وسادة تخزين أقل مما تحتاجه وخيارات أقل لتعويض الإمدادات المتقطعة بسرعة. فقد كانت واردات القارة من الغاز المسال أقل بنسبة 30% عن العام الماضي في الأسبوع المنتهي في 9 أكتوبر، ورغم أن الطقس المعتدل أبقى طلب التدفئة منخفضاً، فإن درجات الحرارة وحدها لا يمكن أن تعكس الهشاشة التي تواجهها القارة».
لماذا يرتفع الغاز أسرع من النفط؟
تُظهر الأزمة الحالية مدى اعتماد أوروبا على الإمدادات الخارجية، إذ ارتفعت أسعار الغاز بوتيرة أسرع من أسعار النفط العالمية. فشحنات الغاز المسال من الخليج، التي كانت تمثل نحو خُمس الإمدادات العالمية، لا تزال محدودة للغاية بسبب اضطرابات الشحن عبر مضيق هرمز، وتشير تقارير إلى أن التدفقات تراجعت بنحو 80% على أساس سنوي. كما يضيف الحظر الكامل المزمع من الاتحاد الأوروبي على واردات الغاز الطبيعي الروسي، المقرر أن يبدأ في يناير المقبل، مزيداً من التقلبات إلى السوق.
في المقابل، ترى المفوضية الأوروبية أن سوق الديزل العالمية ستبقى ضيقة حتى عام 2027 على الأقل، ما يبقي أسعار الطاقة مرتفعة، وتدعو إلى زيادة الإنتاج في المصافي الأوروبية، التي أُغلق نحو ربعها خلال العقدين الماضيين. وكانت أوروبا قد اتخذت في السنوات الأخيرة خطوات لتقليل استهلاكها للغاز والتحول إلى مصادر متجددة لتوليد الكهرباء، وهو ما يخفف جزئياً من حدة الصدمة مقارنة بعام 2022، لكنه لا يلغيها.
الفواتير والصناعة تحت الضغط
بدأت أسعار الجملة المرتفعة تتسرب بالفعل إلى فواتير المستهلكين والصناعة. فمحطات توليد الكهرباء التي تعمل بالغاز عادة ما تحدد سعر الكهرباء خلال فترات ذروة الطلب، وقد ارتفع عقد الكهرباء الألماني للعام المقبل بنسبة 1.7% إلى 159.30 يورو للميغاواط/ساعة، وهو أعلى مستوى منذ يونيو 2023، بينما بلغ العقد الفرنسي المماثل أعلى مستوى له منذ عامين تقريباً عند 122.50 يورو.
ويتوقع محللون وخبراء في القطاع استمرار ارتفاع أسعار الغاز لمدة عام على الأقل حتى لو انتهت الحرب وكان الشتاء معتدلاً، لأن أوروبا ستحتاج إلى إعادة ملء مخزوناتها التي استُنزفت إلى مستويات قياسية منخفضة. وقد بدأت بالفعل علامات التوتر الاجتماعي تظهر في أجزاء من القارة بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة، مع مؤشرات ضغط على قطاع التصنيع، وطلب من الاتحاد الأوروبي للدول الأعضاء بدراسة تدابير لكبح الطلب على الطاقة.
هل يتكرر سيناريو 2022؟
رغم تشابه الأرقام مع ديسمبر 2022، يرى محللون أن الوضع اليوم مختلف في جانب مهم: فالدول الأوروبية تستهلك غازاً أقل مما كانت تستهلكه عام 2022، إذ تحوّلت بشكل متزايد إلى مصادر الطاقة المتجددة لتوليد الكهرباء. ويعتقد هؤلاء أن هذا التحول يقلل من خطر أن تتحول قفزة أسعار الغاز إلى زيادات في فواتير الكهرباء بحجم ما شهده عام 2022.
لكن التحذير الذي أطلقه يورغنسن يظل قائماً: فأوروبا تدخل الشتاء بمخزونات منخفضة، وإمدادات متقطعة، وسوق عالمية ضيقة، وأي تصعيد جديد في الشرق الأوسط أو موجة برد قاسية قد يدفعان الأسعار إلى مستويات أعلى. وبينما كانت أزمة 2022 مدفوعة بقطع الإمدادات الروسية، فإن أزمة 2026 مدفوعة باضطراب الإمدادات من الخليج — وهو ما يجعل أمن الطاقة الأوروبي، مرة أخرى، رهينة جغرافيا سياسية خارجة عن سيطرة بروكسل.
للمزيد عن استعدادات أوروبا للشتاء، اقرأ خطط الاتحاد الأوروبي لتوفير الطاقة في الشتاء، وعن أسواق الغاز العالمية الغاز الطبيعي الأمريكي يسجل مستويات قياسية، وعن تداعيات الحرب على أسواق الطاقة قطر تحذر من موجات صدمة في أسواق الطاقة بسبب حرب إيران.
أسئلة شائعة
لماذا تجاوزت أسعار الغاز الأوروبية 100 يورو للميغاواط/ساعة؟
ارتفعت الأسعار بسبب اضطرابات شحن الغاز المسال من الشرق الأوسط، ومخاوف من تصعيد جديد في حرب إيران بعد الانتخابات النصفية الأمريكية، وتوقعات طقس تدعم الطلب، إضافة إلى سعي الدول الأوروبية لتخزين الغاز قبل الشتاء بينما لا تتجاوز مخزوناتها 75% من السعة.
متى كانت آخر مرة بلغت فيها أسعار الغاز الأوروبية هذا المستوى؟
كانت آخر مرة في ديسمبر 2022، خلال أزمة الطاقة التي أعقبت الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا، عندما بلغت الأسعار ذروتها القياسية عند نحو 340 يورو للميغاواط/ساعة في أغسطس من ذلك العام.
كيف تؤثر أسعار الغاز المرتفعة على المستهلكين والصناعة؟
تؤدي أسعار الجملة المرتفعة إلى ارتفاع فواتير الغاز والكهرباء للمستهلكين، لأن محطات الغاز تحدد سعر الكهرباء في فترات الذروة، كما تدفع بعض الصناعات كثيفة استهلاك الطاقة، مثل الكيماويات والصلب، إلى خفض الإنتاج.
هل ستبقى أسعار الغاز مرتفعة؟
يتوقع المحللون بقاء الأسعار مرتفعة لمدة عام على الأقل حتى لو انتهت الحرب وكان الشتاء معتدلاً، لأن أوروبا ستحتاج إلى إعادة ملء مخزوناتها المستنزفة، بينما يبقى الحظر المزمع على الغاز الروسي وسوق الديزل الضيقة عاملين إضافيين للضغط.



