أبلغت الولايات المتحدة عدداً من دول الخليج العربية بأن تستعد لاحتمال شنّ حملة عسكرية «قصيرة ومكثفة» ضد إيران بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، وفق ما نقلته صحيفة وول ستريت جورنال يوم الأربعاء عن أشخاص اطّلعوا على تلك المحادثات. الرسائل، التي مرّت عبر قنوات دبلوماسية وعسكرية، تُعدّ من أوضح المؤشرات حتى الآن على أن واشنطن وتل أبيب تجهّزان لاحتمال جولة جديدة من العمليات القتالية الثقيلة ضد طهران، رغم أن القرار النهائي لم يُتخذ بعد.
تحذير عبر القنوات الدبلوماسية والعسكرية
بحسب التقرير، لم تأتِ الرسائل الأمريكية في صورة إعلان علني، بل عبر اتصالات ثنائية مع عواصم خليجية، هدفها — على ما يبدو — منح الشركاء الإقليميين وقتاً للاستعداد لأي تصعيد، بما في ذلك حماية المنشآت الحيوية ومراجعة خطط الطوارئ. وهذا النوع من الإخطار المسبق ليس تفصيلاً بروتوكولياً فحسب؛ ففي منطقة تعبرها نسبة كبيرة من إمدادات الطاقة العالمية، يمكن لأي تصعيد أن يترك أثراً فورياً على الأسواق وعلى حركة الملاحة، حتى قبل إطلاق أول صاروخ.
وتأتي هذه الأنباء في سياق حرب دخلت شهرها الثامن، بحسب الصحيفة، وبلغت كلفتها التقديرية نحو 47.1 مليار دولار حتى منتصف أكتوبر، من دون احتساب الأضرار التي لحقت بالقواعد الأمريكية في المنطقة. ويُعزى نحو 60 في المئة من ذلك المبلغ — أي قرابة 29 مليار دولار — إلى استهلاك الذخائر، وعلى رأسها صواريخ توماهوك وأنظمة باتريوت الدفاعية. هذه الأرقام، إن صحّت، تشرح جانباً من الحسابات السياسية والعسكرية في واشنطن: أي جولة جديدة ستكون مكلفة، وستتطلب مخزونات جاهزة وقدرة دفاعية معززة.
تعزيزات في الطريق: باتريوت إضافية وحاملة طائرات
على الأرض، تشير المؤشرات العسكرية إلى استعدادات متسارعة. فقد أفاد التقرير بأن الجيش الأمريكي يرسل منظومة باتريوت إضافية إلى إسرائيل من ولاية تكساس لتعزيز دفاعاتها الصاروخية، استناداً إلى بيانات تتبّع الرحلات ومصدرين مطلعين على التحرك. كما نُقلت قوات أمريكية من قواعد في الشرق الأوسط كانت مكشوفة أمام أي ردّ محتمل، في خطوة وقائية سبق أن أوردتها الصحيفة نفسها.
إلى جانب ذلك، تستعد قاذفات ومقاتلات لتنفيذ ضربات محتملة، بينما تتجه مجموعة حاملة طائرات إضافية ووحدة مشاة بحرية للانضمام إلى أسطول يضم نحو عشرين سفينة حربية تعمل أصلاً في الشرق الأوسط الشهر المقبل، مع احتمال خروج بعض السفن ضمن عمليات التدوير المعتادة. الرسالة العسكرية هنا مزدوجة: ردعٌ يهدف إلى دفع طهران نحو التفاوض، واستعدادٌ حقيقي لخيار عسكري واسع إذا تعثّرت الدبلوماسية.
ترامب يميل إلى هجوم ما بعد الانتخابات — لكنه لم يحسم
نقطة محورية في التقرير هي أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يتخذ قراراً نهائياً بعد، لكنه يميل — وفق أشخاص مطلعين على تفكيره — إلى هجوم كبير بعد الانتخابات قد يستهدف بنى تحتية ومواقع نووية إيرانية. البديل المطروح هو محاولة التوصل إلى اتفاق، إذ تواصلت جهود الوساطة الإقليمية من دون أن تثمر حتى الآن.
هذا التردد الظاهري ليس جديداً على مسار الأزمة. فخلال الأسابيع الماضية، تذبذبت الإشارات الصادرة من واشنطن بين التهديد بالتصعيد والحديث عن التفاوض، وهو ما انعكس في تقارير سابقة عن استعدادات القيادة المركزية الأمريكية لاستئناف محتمل للضربات وعن استبعاد أي هجوم قبل انتخابات التجديد النصفي. التقرير الجديد يضيف حلقة مهمة إلى هذا التسلسل: التوقيت المحتمل بات الآن مرتبطاً بما بعد الانتخابات، لا قبلها.
لماذا يهمّ التوقيت؟
توقيت «ما بعد الانتخابات» ليس مصادفة. فمن الناحية السياسية الداخلية، يمنح أي قرار عسكري كبير بعد الاقتراع إدارة ترامب مساحة أكبر بعيداً عن حسابات الحملات الانتخابية المباشرة. ومن الناحية العسكرية، يمنح التحشيد الجاري — من ذخائر ودفاعات جوية وقوات بحرية — الوقت اللازم ليكتمل. ومن الناحية الدبلوماسية، يبقي الباب مفتوحاً أمام الوسطاء الإقليميين لمحاولة أخيرة قبل أن يتحول التهديد إلى واقع.
لكن المخاطر واضحة أيضاً. فأي حملة جديدة، مهما وُصفت بأنها «قصيرة»، قد تتوسع بسرعة إذا ردّت طهران أو وكلاؤها في المنطقة، وقد تهدد الملاحة في مضيق هرمز وأسعار الطاقة العالمية. وقد حذّرت أطراف إقليمية سابقاً من أن أي حرب جديدة قد تحمل تداعيات واسعة على أمن الطاقة، وهو تحذير يكتسب وزناً إضافياً مع كل تحرك عسكري جديد.
ما الذي نراقبه في الأيام المقبلة؟
ثمة إشارات محددة تستحق المتابعة: اكتمال وصول منظومة باتريوت الإضافية إلى إسرائيل، وحركة المجموعة البحرية الجديدة، وأي بيانات رسمية من واشنطن أو طهران أو العواصم الخليجية، إضافة إلى مسار الوساطات التي لم تُغلق بعد. والأهم، ما إذا كان التحذير الأمريكي سيتحول إلى قرار تنفيذي بعد الانتخابات، أم سيبقى أداة ضغط تفاوضي.
في هذه المرحلة، المؤكد الوحيد هو أن المنطقة دخلت مرحلة انتظار مشحونة: تحذيرات تُرسل عبر القنوات الخاصة، وتعزيزات تتحرك علناً، وقرار مصيري مؤجّل إلى ما بعد صناديق الاقتراع.
أسئلة شائعة
ماذا قالت وول ستريت جورنال بالضبط؟
نقلت الصحيفة عن أشخاص مطلعين على المحادثات أن الولايات المتحدة أبلغت عدة دول خليجية بالاستعداد لحملة عسكرية قصيرة ومكثفة محتملة ضد إيران بعد انتخابات التجديد النصفي، مع إرسال منظومة باتريوت إضافية إلى إسرائيل وتعزيزات بحرية وجوية في المنطقة.
هل اتخذ ترامب قراراً نهائياً بالهجوم؟
لا، بحسب التقرير نفسه. فالرئيس لم يحسم أمره بعد، لكنه يميل إلى هجوم كبير بعد الانتخابات قد يستهدف بنى تحتية ومواقع نووية، بينما يبقى خيار التفاوض مطروحاً عبر وسطاء إقليميين.
كم بلغت كلفة الحرب حتى الآن؟
قدّرت الصحيفة الكلفة بنحو 47.1 مليار دولار حتى منتصف أكتوبر، من دون احتساب أضرار القواعد الأمريكية، منها نحو 29 مليار دولار لاستهلاك الذخائر مثل صواريخ توماهوك وباتريوت.
لماذا أُبلغت دول الخليج مسبقاً؟
يهدف الإخطار المسبق، وفق سياق التقرير، إلى منح الشركاء الإقليميين وقتاً للاستعداد لأي تصعيد محتمل، في منطقة حساسة لأمن الطاقة وحركة الملاحة العالمية.
ما السيناريو البديل للتصعيد؟
السيناريو البديل هو التوصل إلى اتفاق عبر الوساطات الإقليمية الجارية، التي لم تحقق اختراقاً حتى الآن، لكنها ما زالت مستمرة بالتوازي مع التحشيد العسكري.



