بين ماء يرتفع وغارات لا تتوقف، يجد سكان جنوب الصومال أنفسهم محاصرين من جهتين. فبينما تتقدّم مياه نهر جوبا نحو بيوتهم مع اشتداد ظاهرة النينيو، يقول سكان ومصدر يراقب السهل الفيضي إن غارات جوية شبه يومية تدفعهم نحو الضفاف نفسها التي يهددها الفيضان. الاتهام، الذي نشرته صحيفة الغارديان في تحقيق حصري يوم الاثنين، يضع الحملة الأمريكية ضد حركة الشباب أمام سؤال قانوني وأخلاقي حاد: متى يتحوّل الضغط العسكري في منطقة منكوبة بالفيضان إلى استخدام للطبيعة نفسها سلاحًا؟ وتنفي القيادة الأمريكية لأفريقيا (أفريكوم) ذلك جملةً وتفصيلًا.

محتويات

  1. ما الذي يُقال إنه يحدث في جيليب؟
  2. شهادات من ضفاف النهر
  3. موقف أفريكوم: نفي قاطع
  4. لماذا يثير النينيو هذا القلق؟
  5. البعد القانوني: حين تصبح البيانات الإنسانية أداة حرب
  6. ما الذي لا نعرفه بعد؟
  7. أبرز النقاط
  8. أسئلة شائعة
  9. المصادر
  10. قراءات ذات صلة من Chronicle

ما الذي يُقال إنه يحدث في جيليب؟

تدور الاتهامات حول مدينة جيليب، التي يقطنها نحو مئة ألف شخص وتقع داخل أراضٍ تسيطر عليها حركة الشباب في جنوب الصومال. وبحسب التحقيق، فإن غارات منسّقة على تلك المنطقة تدفع السكان المدنيين إلى البحث عن ملجأ بمحاذاة نهر تتصاعد مستويات مياهه، بدل أن تتيح لهم الابتعاد عن الخطر. ويرى المصدر الذي يراقب السهل الفيضي لنهر جوبا أن الحملة «تستغل النينيو سلاح حرب» لدفع السكان إلى مناطق معرّضة للفيضان، على حدّ تعبيره، بينما تؤكد الرواية الرسمية أن الأهداف عسكرية وتستهدف حركة الشباب.

ويكمن جوهر المشكلة، وفق هذا المصدر نفسه، في طبيعة المكان: حركة الشباب متغلغلة داخل المجتمع المحلي، ما يجعل الفصل بين المقاتلين والمدنيين صعبًا، ويُعرّض أي عملية عسكرية واسعة لخطر إلحاق أضرار جانبية بالسكان. وهذا تحديدًا ما يجعل الاتهام خطيرًا: فهو لا يتعلق بغارة واحدة أخطأت هدفها، بل بنمط عملياتي يُقال إنه يحوّل الفيضان من خطر طبيعي إلى عامل ضغط إضافي على المدنيين.

شهادات من ضفاف النهر

نقل التحقيق شهادات لسكان يعيشون على مسافة أمتار من النهر. فكايني علي، أم لستة أطفال، يسكن منزلها على بُعد خمسة أمتار فقط من نهر جوبا، وقالت إن المياه وصلت إلى مستوى خصرها بينما كانت الغارات تتواصل. ووصفت أجواءً لا تهدأ فيها المسيّرات، مشيرة إلى أن الدمار طال الحيوانات والمدنيين، وأن المدينة، رغم اتساعها، باتت محاصرة بالدمار من كل جهة.

أما آشو عمر، من قرية ماليندا قرب جيليب، فتحدّثت عن غارات «مستمرة» جعلت التنقّل صعبًا ودفعت الناس نحو ضفاف النهر، مؤكدة سقوط عدد كبير من القتلى. ولا يمكن التحقق المستقل من كل تفصيلة في مثل هذه البيئة المغلقة، لكن تطابق الشهادات حول نمط واحد — غارات متكررة، وحركة سكانية قسرية نحو النهر، ومياه صاعدة — هو ما منح التحقيق ثقله.

موقف أفريكوم: نفي قاطع

في المقابل، نفت القيادة الأمريكية لأفريقيا استهداف المدنيين أو استخدام الطقس أو الفيضانات وسيلةً من وسائل الحرب. وهذا النفي مهم لأنه يرسم خط الفصل بين روايتين متناقضتين تمامًا: رواية ترى في العمليات استغلالًا متعمّدًا لظرف مناخي، ورواية رسمية ترى فيها حملة تستهدف مقاتلي حركة الشباب حصرًا.

والواقع أن الفصل بين الروايتين لا يمكن أن يُحسم بالتصريحات وحدها. فهو يحتاج إلى بيانات مفتوحة عن أنماط الغارات، وخرائط للفيضانات، وتوثيق مستقل للضحايا المدنيين — وهي أدلة يصعب جمعها في منطقة تسيطر عليها جماعة مسلحة وتشهد عمليات عسكرية نشطة. لكن مجرد طرح الاتهام علنًا، من صحيفة كبرى وبشهادات ميدانية، يفرض على واشنطن عبء إثبات أكبر من النفي المقتضب.

لماذا يثير النينيو هذا القلق؟

ظاهرة النينيو ليست حدثًا عابرًا في القرن الأفريقي، بل نمط مناخي يعيد تشكيل مواسم الأمطار ويضاعف خطر الفيضانات في مناطق مثل حوض نهر جوبا. فعندما ترتفع مستويات النهر أصلًا، يصبح أي دفع إضافي للسكان نحو ضفافه أخطر بكثير من أي وقت آخر: فالملجأ يتحوّل إلى فخ، والطريق الوحيد للنجاة من الغارات قد يكون الطريق الأقصر نحو الغرق.

كما أن الصومال يعيش أصلًا على خط التماس بين الصدمات: حرب مستمرة ضد حركة الشباب، ومجتمعات زراعية ورعوية تعتمد على النهر، وبنية تحتية هشّة لا تتحمّل فيضانًا كبيرًا. وفي هذا السياق، لا تكون الفيضانات مجرد خلفية للصراع، بل عاملًا يحدد من يعيش ومن يموت، ومن يستطيع النزوح ومن يُحاصر.

البعد القانوني: حين تصبح البيانات الإنسانية أداة حرب

من أخطر ما ورد في التحقيق تعليق الباحث جيثرو نورمان، من المعهد الدنماركي للدراسات الدولية، الذي وصف النهج المزعوم بأنه «عكس للعملية» المعتادة: فبدل استخدام الاستشعار عن بُعد لأغراض إنسانية — أي رصد الفيضانات لتخفيف الضرر — يُستخدم، بحسب الاتهام، لإيقاع الخسائر.

ويمسّ هذا التعليق قلب القانون الإنساني الدولي. فالقانون يحظر استهداف المدنيين، ويفرض التمييز بين المقاتلين وغيرهم، والتناسب في استخدام القوة. وإذا ثبت أن عمليات عسكرية صُممت أو نُفذت بطريقة تستغل خطرًا طبيعيًا معروفًا لإلحاق الضرر بالمدنيين، فإن ذلك سيتجاوز مسألة «الأضرار الجانبية» إلى مسألة المسؤولية عن نمط عملياتي. لكن الثبوت هنا هو التحدي: فالقصد العسكري لا يُستدل عليه من النتائج وحدها، بل يحتاج إلى أدلة على التخطيط والقرار.

ما الذي لا نعرفه بعد؟

هناك أسئلة جوهرية ما تزال بلا إجابة. أولًا: هل وثّقت جهات مستقلة أعداد الضحايا المدنيين في جيليب ومحيطها خلال الأسابيع الأخيرة، وكيف توزّعت جغرافيًا بالنسبة لخط الفيضان؟ ثانيًا: هل ستكشف أفريكوم عن معايير استهدافها في هذه المنطقة تحديدًا، وعن الإجراءات المتخذة لتجنّب دفع المدنيين نحو مناطق الخطر؟ ثالثًا: هل ستدفع هذه الاتهامات منظمات إنسانية أو هيئات دولية إلى فتح تحقيق مستقل، أم ستبقى مجرد تحقيق صحفي يُناقش ثم يُنسى؟

والأهم: ماذا سيحدث مع اشتداد النينيو؟ فإذا ارتفعت المياه أكثر، فإن كل يوم إضافي من العمليات في السهل الفيضي سيزيد المخاطر على عشرات آلاف المدنيين، سواء كان الدفع نحو النهر مقصودًا أم نتيجة غير مقصودة لحملة عسكرية في المكان الخطأ والزمان الخطأ. وفي الحالتين، يبقى المدنيون هم من يدفع الثمن.

أبرز النقاط

  • تحقيق حصري للغارديان يتهم القوات الأمريكية باستخدام غارات شبه يومية لدفع سكان جنوب الصومال نحو ضفاف نهر جوبا المعرّضة للفيضان مع اشتداد النينيو.
  • مدينة جيليب، التي يقطنها نحو مئة ألف شخص داخل أراضٍ تسيطر عليها حركة الشباب، هي بؤرة الاتهامات.
  • شهادات محلية تتحدث عن مياه وصلت إلى مستوى الخصر في منازل تبعد أمتارًا عن النهر، وعن غارات مستمرة جعلت التنقّل شبه مستحيل.
  • أفريكوم تنفي استهداف المدنيين أو استخدام الطقس والفيضانات وسيلة حرب.
  • باحث في المعهد الدنماركي للدراسات الدولية وصف النهج المزعوم بأنه «عكس للعملية»: استخدام بيانات إنسانية لإيقاع الضرر بدل تخفيفه.
  • السؤال الحاسم الآن هو التحقق المستقل: هل كان الدفع نحو النهر نمطًا مقصودًا أم أثرًا جانبيًا لحملة في منطقة مغلقة؟

أسئلة شائعة

ما هو الاتهام الموجّه إلى القوات الأمريكية في الصومال؟

الاتهام، الذي نشرته الغارديان، هو أن غارات جوية منسّقة على مناطق تسيطر عليها حركة الشباب في جنوب الصومال تدفع المدنيين نحو ضفاف نهر جوبا المعرّضة للفيضان، في وقت يشتد فيه تأثير ظاهرة النينيو، ما يحوّل الفيضان إلى عامل ضغط إضافي على السكان.

أين تقع الأحداث تحديدًا؟

تتركّز الشهادات حول مدينة جيليب، التي يقطنها نحو مئة ألف شخص، وقرية ماليندا القريبة منها، على ضفاف نهر جوبا في جنوب الصومال، داخل أراضٍ تسيطر عليها حركة الشباب.

ما هو رد القيادة الأمريكية لأفريقيا؟

نفت أفريكوم استهداف المدنيين أو استخدام الطقس أو الفيضانات وسيلةً من وسائل الحرب، مؤكدة أن عملياتها تستهدف مقاتلي حركة الشباب.

لماذا تُعدّ ظاهرة النينيو عاملًا حاسمًا هنا؟

لأن النينيو يرفع مستويات الأنهار ويضاعف خطر الفيضانات في حوض نهر جوبا، فأي حركة سكانية قسرية نحو الضفاف في هذا التوقيت تصبح أخطر بكثير، إذ يتحوّل الملجأ المفترض إلى منطقة مهددة بالغرق.

هل ثبت الاتهام بشكل قاطع؟

لا. ما نُشر هو تحقيق صحفي يستند إلى شهادات سكان ومصدر يراقب السهل الفيضي، مقابل نفي رسمي من أفريكوم. والحسم يحتاج إلى تحقيق مستقل وبيانات مفتوحة عن أنماط الغارات والضحايا المدنيين.

المصادر

  • The Guardian — "US forces accused of 'weaponising' Somalia's floods by trapping women and children in the path of El Niño"

قراءات ذات صلة من Chronicle