أعطت جامعة جنوب الدنمارك الضوء الأخضر لاستئناف تجربة سريرية مثيرة للجدل على لقاح التهاب الكبد B لدى حديثي الولادة في غينيا بيساو، بتمويل قدره 1.6 مليون دولار من المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC)، في خطوة أثارت غضباً دولياً من خبراء الصحة ومنظمات علمية اعتبروا التجربة انتهاكاً صارخاً لأخلاقيات البحث الطبي. وتأتي الموافقة بعد أشهر من تعليق الدراسة وسط احتجاجات واسعة، إذ كان من المقرر أن يُمنح نصف المواليد الجدد البالغ عددهم 14 ألفاً الجرعة الأولى من اللقاح عند الولادة، بينما يُحرم النصف الآخر منها.
وكشفت مجلة Rolling Stone أن مكتب مديرة CDC الجديدة، الدكتورة إريكا شوارتز، وجه أواخر سبتمبر مكتب الموازنة في الوكالة بتخصيص 1.6 مليون دولار لتمويل التجربة، وهو مبلغ مقتطع من أموال خصصها الكونغرس لبرامج الأمن الصحي العالمي. وكانت الدراسة قد أُعلنت لأول مرة أواخر 2025 بهدف دراسة ما إذا كانت جرعة اللقاح عند الولادة قد تحمل آثاراً صحية سلبية، رغم أن هذه الجرعة مستخدمة بأمان منذ عقود.
جدول المحتويات
تصميم مثير للقلق
تتلخص خطة الدراسة في إجراء تجربة عشوائية محكومة تشمل 14 ألف مولود جديد في غينيا بيساو، حيث يتلقى نصفهم لقاح التهاب الكبد B عند الولادة ولا يتلقاه النصف الآخر. وبرّر الباحثون التصميم بأنه يعكس «المعيار المعمول به» في البلاد، إذ لا يتلقى المواليد الجدد هناك الجرعة عند الولادة بشكل روتيني، ومن المتوقع أن تصبح توصية رسمية وطنية بحلول 2028.
لكن الخبراء يرون أن هذا المبرر لا يصمد أمام خطورة المرض في هذا البلد: إذ يُصاب واحد من كل خمسة بالغين في غينيا بيساو بالتهاب الكبد B، وهو مرض يقتل ما بين 15% و25% من المصابين بالعدوى المزمنة بسبب السرطان أو فشل الكبد. وحذر خبراء التجارب السريرية من أن بعض المشاركين حديثي الولادة قد يصابون بالعدوى دون أن يحصلوا على اللقاح. وتقتصر إجراءات الفحص في البروتوكول المعدل على سؤال الأمهات عما إذا كنّ يعلمن بإصابتهن، وإجراء فحوص دم لـ250 من الأمهات والأطفال فقط.
التهاب الكبد B: عبء ثقيل على غرب أفريقيا
يُعد التهاب الكبد B من أكثر التحديات الصحية إلحاحاً في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، حيث ينتقل أساساً من الأم إلى الطفل أثناء الولادة. وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن نسبة كبيرة من الأطفال دون الخامسة في دول المنطقة ما زالت تحمل معدلات إصابة مرتفعة، ما يجعل الجرعة الأولى عند الولادة — التي يُنصح بإعطائها خلال 24 ساعة من الولادة — أداة إنقاذ حياة مثبتة وفعالة ومنخفضة التكلفة.
وتُظهر البيانات العالمية أن التطعيم المبكر يمنع العدوى المزمنة مدى الحياة في الغالبية العظمى من الحالات، وأن اللقاح المستخدم منذ عقود لم تُسجل له آثار سلبية ذات شأن. لهذا السبب اعتبر خبراء الصحة أن فكرة «اختبار» جرعة الولادة مجدداً في بلد يعاني أصلاً من نقص التغطية التطعيمية هي محاولة لحل معادلة أخلاقية مقلوبة: فبدلاً من تسريع إدخال اللقاح للجميع، تُستخدم فترة التأخير ذريعة لإخضاع آلاف الرضع لتجربة محفوفة بالمخاطر.
وتوضح منظمة الصحة العالمية أن تنفيذ الجرعة عند الولادة يجب أن يشمل استراتيجيات للولادات المنزلية والمؤسسية على حد سواء، مؤكدة أن نقص الموارد لا يبرر أبداً حرمان المشاركين في الدراسات من رعاية منقذة للحياة — وهي قاعدة راسخة في أخلاقيات البحث الطبي منذ إعلان هلسنكي.
تسلسل زمني لجدل مستمر منذ عام
بدأت القصة أواخر 2025 عندما أُعلن عن التجربة لأول مرة، فأثارت فوراً موجة استنكار دولية من منظمات صحية وقادة سياسيين. وفي يناير 2026، أرسلت منظمة «Stand Up for Science» محققاً ميدانياً إلى غينيا بيساو لجمع المعلومات عن الدراسة، وبعد تحليل الخبراء للبروتوكول تبيّن أنه يتضمن مشاكل أخلاقية جوهرية، منها حجب تدخل مثبت الفائدة عن المشاركين. ونتيجة لذلك عُلّقت التجربة لعدة أشهر من قبل السلطات الغينيا-بيساوية وإدارة الجامعة الدنماركية.
وفي يناير أيضاً راجع الباحثون بروتوكول الدراسة وسط الضجة الدولية، لكن المراجعة لم تُقنع المنتقدين. والآن، مع الكشف عن أن مكتب مديرة CDC خصص 1.6 مليون دولار جديدة للتجربة، عادت الأزمة إلى الواجهة بقوة أكبر، خاصة أن الأموال مقتطعة من برامج الأمن الصحي العالمي في وقت تواجه فيه أفريقيا تفشي الإيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية وتساؤلات حول حوادث مختبرية في سيبيريا.
غضب علمي ودولي
واجهت الدراسة إدانة واسعة منذ الكشف عنها. وقال الدكتور بول أوفيت، طبيب الأطفال ومدير مركز تعليم اللقاحات في مستشفى فيلادلفيا للأطفال، إنها «تجربة غير أخلاقية بالكامل، ويجب ألا يُسمح بها»، مضيفاً: «يحزنني أن تفكر بلادنا في المشاركة بأي شكل في تجربة يتلقى فيها نصف الأطفال رعاية دون المستوى، وآلافهم محكوم عليهم بتطوير تليف الكبد أو سرطان الكبد».
من جهتها، قالت منظمة الصحة العالمية إنها على علم بأن غينيا بيساو علّقت الدراسة بانتظار مراجعات تقنية إضافية، مؤكدة استعدادها لدعم البلاد في تسريع إدخال الجرعة عند الولادة. وأعلنت منظمة «Stand Up for Science» أنها أوقفت هذه الدراسة غير الأخلاقية مرة من قبل، وستفعل ذلك مجدداً، ووصفت التجربة بأنها «انتهاك جسيم لحقوق الإنسان».
كما تواجه الدراسة بانتقادات علمية: فقد حذّر خبراء من أن تصميمها قد ينتج نتائج متحيزة ذات فائدة محدودة لصنع القرار الصحي العام، إذ تستغل التجربة الفترة التي تسبق إدخال الجرعة عند الولادة بشكل شامل (بحلول 2028) لمقارنة النتائج الصحية بين المجموعتين على مدى سنوات.
دفاع الباحثين عن التجربة
يدافع الباحثون الدنماركيون بيتر أوبي وكريستين ستابل بن، اللذان يقودان مشروع «Bandim Health Project» في غينيا بيساو، عن أخلاقية الدراسة، مؤكدين أن لا طفل سيتلقى أقل من المعيار المعمول به في البلاد، وأن التجربة امتثلت للسياسة الوطنية الحالية وحصلت على موافقة لجنة الأخلاقيات الوطنية المختصة. وقالوا إن التجربة ستساعد في تقييم أثر الجرعة عند الولادة ليس فقط على العدوى بالتهاب الكبد B، بل على نتائج أوسع تشمل الوفيات المبكرة والمرض والنمو طويل الأمد.
أسئلة أخلاقية بلا إجابات سهلة
يكشف الجدل حول تجربة غينيا بيساو عن توتر قديم في أخلاقيات البحث الطبي العالمي: هل يجوز اختبار تدخل منقذ للحياة في بلد نامٍ بذريعة أن «المعيار المحلي» لا يشمله أصلاً؟ يرى المدافعون عن التجربة أن المقارنة بين مجموعتين ضمن السياق المحلي هي الطريقة الوحيدة لتوليد أدلة محلية موثوقة قد تقنع الحكومات بتخصيص الموارد. لكن المنتقدين يردون بأن هذا المنطق يفتح الباب أمام معايير مزدوجة: تجارب تُرفض في الدول الغنية لانتهاكها أخلاقيات البحث تُنفَّذ في الدول الفقيرة بذريعة الفقر نفسه.
وتزداد حساسية القضية مع تورط إدارة كينيدي: فالوزير، المعروف بمواقفه المشككة في اللقاحات، يُنظر إليه على أنه المحرك الرئيسي وراء إحياء الدراسة، ما دفع علماء إلى التشكيك في دوافع التجربة العلمية نفسها. وفي هذا السياق، يرى كثيرون أن المعركة حول غينيا بيساو ليست مجرد خلاف تقني حول بروتوكول، بل اختبار أوسع لحدود النفوذ السياسي في العلم — ومن سيدفع الثمن إذا أُسيء استخدامها.
يُذكر أن وزير الصحة الأميركي روبرت كينيدي جونيور يُنظر إليه على نطاق واسع على أنه الداعم الرئيسي لهذه التجربة، وقد أثارت قيادته للوكالات الصحية الفيدرالية قلقاً متزايداً بين العلماء بشأن مستقبل أبحاث اللقاحات في الولايات المتحدة.
أسئلة شائعة
ما هي تجربة لقاح التهاب الكبد B في غينيا بيساو؟
هي تجربة سريرية عشوائية محكومة بتمويل من CDC الأميركية (1.6 مليون دولار)، تهدف لدراسة آثار جرعة لقاح التهاب الكبد B عند الولادة على 14 ألف مولود جديد، حيث يحصل نصفهم على اللقاح ويُحرم النصف الآخر منه، رغم أن اللقاح آمن ومستخدم منذ عقود.
لماذا يعتبر الخبراء التجربة غير أخلاقية؟
لأنها تحرم عمداً نصف المشاركين من تدخل مثبت وينقذ الأرواح في بلد يُصاب فيه واحد من كل خمسة بالغين بالتهاب الكبد B، ولا توجد ضرورة علمية لإعادة اختبار فعالية وسلامة لقاح مدعوم بأدلة عالمية متراكمة منذ عقود.
ما هو الوضع الحالي للتجربة؟
كشفت Rolling Stone أن مكتب مديرة CDC وجّه بتخصيص 1.6 مليون دولار لتمويل التجربة أواخر سبتمبر، وأكدت جامعة جنوب الدنمارك موافقتها على الدراسة، لكن منظمة الصحة العالمية قالت إن غينيا بيساو علّقت الدراسة بانتظار مراجعات تقنية إضافية.
من يدافع عن التجربة؟
الباحثان الدنماركيان بيتر أوبي وكريستين ستابل بن يؤكدان أن التجربة تمتثل للسياسة الوطنية في غينيا بيساو ولجنة الأخلاقيات المحلية، وأنها ستقيّم أثر الجرعة عند الولادة على الوفيات المبكرة والنمو طويل الأمد.
مصادر
- Rolling Stone — CDC Moves Forward With Controversial Hepatitis B Vaccine Study
- CIDRAP — Hepatitis B vaccine study condemned as unethical wins approval from Danish university
- The Guardian — Controversial vaccine trial touted by RFK Jr gets go-ahead in Guinea-Bissau
اقرأ أيضاً
- نيويورك تعلن حالة طوارئ بسبب تفشي الحصبة
- نوبل الفيزياء تذهب إلى مشروع آيس كيوب لكشف النيوترينو
- تركيا تكمل مركبتها القمرية «آياب»
Original reporting by Chronicle Editorial. Key facts sourced from Rolling Stone and CIDRAP.



