تعمل فرنسا مع عشر دول أوروبية على توسيع قدرتها كقوة نووية في القارة، في خطة أطلق عليها اسم «الردع المتقدم» وتشمل نشر مقاتلات رافال القادرة على حمل أسلحة نووية في أنحاء أوروبا وبناء بنية تحتية جديدة وروابط اتصالات وإنذار مبكر وتبادل استخباراتي مع الحلفاء. ويأتي الكشف عن تفاصيل الخطة في وقت تتراجع فيه ثقة أوروبا في الالتزام الأمني الأمريكي، وتتصاعد فيه انتهاكات روسيا للمجال الجوي وحوادث المسيّرات قرب دول حلف شمال الأطلسي.
ووفق ما نقلته صحيفة جيروزاليم بوست عن تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال نُشر صباح الاثنين، انضمت بريطانيا وألمانيا وبولندا وهولندا وبلجيكا وفنلندا والنرويج والسويد والدنمارك إلى المشروع بدرجات متفاوتة من المشاركة، منذ أن أعلنه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مارس الماضي.
جدول المحتويات
- خطة وُلدت في قاعدة إيل لونغ البحرية
- رافال في قلب الردع الجوي
- معضلة استراتيجية لروسيا دون أسلحة على الأرض
- لندن وباريس: أول مناورة نووية جوية مشتركة
- مجموعة توجيه نووية مع هولندا وصاروخ M51.3
- الاختبار السياسي: لوبان وموسكو
- أبرز النقاط
- أسئلة شائعة
- المصادر
- قراءات ذات صلة من Chronicle
خطة وُلدت في قاعدة إيل لونغ البحرية
تعود جذور المبادرة إلى خطاب ألقاه ماكرون في الثاني من مارس 2026 في قاعدة إيل لونغ البحرية، حيث طرح مفهوم «الردع المتقدم» (dissuasion avancée). ويقضي المفهوم بتوسيع البعد الأوروبي للردع الفرنسي عبر حوارات استراتيجية مع شركاء مختارين، والمشاركة في مناورات، وربما النشر العرضي لعناصر من القوات الاستراتيجية الفرنسية على أراضي دول حليفة.
لكن باريس تشدد على خط أحمر واحد: قرار استخدام السلاح النووي وتخطيطه وتنفيذه يبقى حصراً بيد الرئيس الفرنسي. فالخطة لا تنقل تعريف المصالح الحيوية الوطنية إلى الآخرين، ولا تنشئ تلقائياً ضمانات نووية مماثلة لتلك التي يوفرها حلف جماعي. وهذا ما يميّزها عن ترتيبات المشاركة النووية في حلف الناتو، التي تبقى فرنسا خارج مجموعتها للتخطيط النووي منذ أن بنت قواتها المستقلة في ستينيات القرن الماضي.
وفي مارس أيضاً، قال ماكرون إن فرنسا ستستأنف إنتاج الأجهزة النووية بعد توقف دام عقوداً، وستتوقف عن نشر حجم مخزونها — إشارة أخرى إلى أن باريس تعيد النظر في شفافيتها النووية التقليدية لصالح الغموض الاستراتيجي.
رافال في قلب الردع الجوي
تتمثل الذراع الجوية للردع الفرنسي في مقاتلات رافال التي تحمل صواريخ كروز ASMP-A ذات الرؤوس النووية. ويرى مسؤولون ومحللون عسكريون أن هذه الأسلحة قادرة على تهديد مدن روسية كبرى، ولديها فرصة قوية لاختراق الدفاعات الجوية الروسية — على عكس قنابل B-61 الأمريكية المنتشرة عبر ترتيبات المشاركة النووية في الناتو، التي يشكك خبراء في فاعليتها أمام تطور الدفاعات الجوية.
وقال كزافييه شاتليه، مستشار الرئيس الفرنسي للشؤون الاستراتيجية، إن نشر هذه القدرات عبر أوروبا «يضيف مستوى آخر من التعقيد» على موسكو أن تأخذه في الحسبان. أما الهدف النهائي، وفق ما نقلته التقارير، فهو خلق «غموض استراتيجي» لدى روسيا: عدم يقينها من أين ومتى وكيف يمكن أن يأتي الرد الأوروبي.
معضلة استراتيجية لروسيا دون أسلحة على الأرض
يُظهر الموقف الفنلندي حدود الخطة وواقعيتها في آن واحد. فقد قال الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب: «ليست لدينا أي خطط لوضع أسلحة نووية على الأراضي الفنلندية في وقت السلم. لكن لدينا خطط لخلق معضلة استراتيجية لروسيا». وأضاف أن هلسنكي رأت فائدة في الحصول على المعلومات والمشاركة، متوقعاً أن تكون العملية طويلة: «ربما تستغرق من عشر إلى خمس عشرة سنة».
هذا التمييز مهم: «الردع المتقدم» لا يعني نشر رؤوس نووية فرنسية بشكل دائم في دول أخرى، بل بناء البنية التحتية والاتصالات وروابط الإنذار المبكر وتبادل الاستخبارات التي تجعل الانتشار السريع والتنسيق ممكنين عند الأزمات. وتقول نيكول غرايفسكي، المتخصصة في الشؤون الروسية والنووية في معهد العلوم السياسية في باريس، إن روسيا مع ذلك «تراقب عن كثب» — حتى لو بقي السؤال مفتوحاً عما إذا كانت موسكو تصدّق أن باريس ستقبل خطر الانتقام النووي دفاعاً عن حليف.
لندن وباريس: أول مناورة نووية جوية مشتركة
على التوازي مع خطة الردع المتقدم، نفذت فرنسا وبريطانيا أول مناورة جوية مشتركة لمحاكاة ضربة نووية، يومي 20 و21 أكتوبر فوق البحر المتوسط. ورافقت مقاتلات تايفون تابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني مقاتلات رافال الفرنسية في مهمة حاكت ضربة نووية دون نشر أسلحة فعلية، بمشاركة طائرات تزود بالوقود من طراز A330 MRTT.
ووصفت وزيرة القوات المسلحة الفرنسية كاترين فوتران المناورة بأنها «محطة حاسمة» في التعاون الثنائي، مؤكدة أن «امتلاك قوات نووية مستقلة لا يمنع التنسيق». وتأتي المناورة تنفيذاً لإعلان نورثوود، الاتفاق الذي وقعته باريس ولندن في يوليو 2025 لتعميق التنسيق بين ردعيهما النوويين، والذي نصّ على أن أي تهديد شديد لأوروبا لن يبقى دون رد من الدولتين معاً.
مجموعة توجيه نووية مع هولندا وصاروخ M51.3
لم تقتصر الخطوات العملية على لندن. ففي 14 أكتوبر، عقدت فرنسا وهولندا أول اجتماع لمجموعة التوجيه النووي الثنائية في باريس، وهي هيكل حوار استراتيجي جديد يهدف إلى تعميق التقارب حول مفهوم الردع المتقدم وتحديد المراحل التالية لإطار التعاون.
وفي المجال البحري، شهد ماكرون في السادس من أكتوبر أول اختبار قبول للصاروخ الباليستي الاستراتيجي M51.3، أُطلق من الغواصة النووية «لو فيجيلان» قبالة سواحل فينيستير، دون رأس نووي. ودخلت النسخة الثالثة من صاروخ M51 الخدمة العملياتية في أكتوبر 2025، وهي مصممة لتحسين أداء المكوّن المحيطي الفرنسي أمام دفاعات صاروخية متطورة.
الاختبار السياسي: لوبان وموسكو
تواجه الشراكة اختباراً سياسياً داخلياً أيضاً. فقد أبدى حزب التجمع الوطني الفرنسي دعماً ضمنياً للمبادرة، لكن محللين يحذرون من أن علاقات زعيمته مارين لوبان السابقة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وتشككها في الالتزامات الأوروبية قد يضعفان ثقة الحلفاء إذا وصلت إلى الرئاسة. وتشهد فرنسا أصلاً موجة احتجاجات واسعة وأزمة سياسية عميقة، ما يجعل استمرارية المشروع عبر الانتخابات المقبلة سؤالاً مفتوحاً.
أما موسكو، فقد سخرت من المبادرة مبكراً: إذ دعت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا في أغسطس الدول الأوروبية إلى الابتعاد عن «الأوهام النووية» وحل مشاكلها القائمة، واصفةً النقاش بأنه «انتحاري» وسط عسكرة أوروبا. لكن السخرية العلنية لا تعني اللامبالاة — فكل خطوة عملية، من المناورات المشتركة إلى مجموعات التوجيه الثنائية، تُقرأ في موسكو كجزء من إعادة رسم خريطة الأمن الأوروبي.
أبرز النقاط
- فرنسا تعمل مع عشر دول أوروبية على خطة «الردع المتقدم»: بنية تحتية واتصالات وإنذار مبكر وتبادل استخباراتي، ونشر محتمل لمقاتلات رافال النووية عبر القارة.
- القرار النووي يبقى حصرياً بيد الرئيس الفرنسي؛ لا نقل للأسلحة ولا ضمانات تلقائية.
- فنلندا: لا أسلحة نووية على أراضيها في وقت السلم، لكنها تسعى لخلق «معضلة استراتيجية» لروسيا؛ العملية قد تستغرق 10–15 سنة.
- فرنسا وبريطانيا نفذتا أول مناورة نووية جوية مشتركة (20–21 أكتوبر) بموجب إعلان نورثوود.
- فرنسا وهولندا شكلتا مجموعة توجيه نووي ثنائية؛ واختبرت باريس صاروخ M51.3 في أكتوبر.
- الاختبار السياسي الأكبر: استمرارية المشروع إذا تغيرت الرئاسة الفرنسية، وردّ موسكو الذي يتراوح بين السخرية والمراقبة الدقيقة.
أسئلة شائعة
ما هي خطة «الردع المتقدم» الفرنسية؟
هي مبادرة أعلنها الرئيس إيمانويل ماكرون في مارس 2026 لتوسيع البعد الأوروبي للردع النووي الفرنسي، عبر حوارات استراتيجية ومناورات وبنية تحتية مشتركة ونشر محتمل لمقاتلات رافال القادرة على حمل أسلحة نووية في دول حليفة، دون نقل الأسلحة نفسها أو المساس بالسيطرة الفرنسية الحصرية على قرار استخدامها.
هل ستنشر فرنسا أسلحة نووية في دول أوروبية أخرى؟
لا، وفق التصريحات الرسمية. الخطة لا تنص على نشر دائم لرؤوس نووية على أراضي الحلفاء في وقت السلم — فنلندا أكدت ذلك صراحة — بل على بناء القدرة على التنسيق والانتشار السريع عند الأزمات، وخلق غموض استراتيجي لدى روسيا.
كيف تختلف هذه الخطة عن المشاركة النووية في الناتو؟
فرنسا خارج مجموعة التخطيط النووي في الناتو وتحتفظ بقوات مستقلة منذ الستينيات. أما «الردع المتقدم» فيحافظ على هذه الاستقلالية مع توسيع التعاون الثنائي والمتعدد الأطراف، دون منح ضمانات جماعية تلقائية كما في معاهدة الدفاع المشترك.
لماذا الآن؟
لأن ثقة أوروبا في الالتزام الأمني الأمريكي تراجعت، بينما تصاعدت انتهاكات المجال الجوي وحوادث المسيّرات الروسية قرب دول الناتو. وتسعى باريس إلى ملء الفراغ بردع أوروبي أكثر مصداقية، قبل أن يتحول الشك في الضمانات الأمريكية إلى أزمة ثقة كاملة.
ما موقف روسيا؟
سخرت موسكو علناً من المبادرة ووصفتها بأنها «أوهام نووية»، لكن محللين يؤكدون أنها تراقب كل خطوة عملية عن كثب، من المناورات المشتركة إلى مجموعات التوجيه الثنائية، لأنها تعيد رسم حسابات الردع في القارة.
المصادر
- جيروزاليم بوست: «فرنسا تعمل مع دول أوروبية لتعزيز قوتها كرادع نووي»
- وول ستريت جورنال (عبر جيروزاليم بوست): تقرير عن خطة «الردع المتقدم» ونشر مقاتلات رافال
- كلاش ريبورت: «فرنسا تدرس نشر رافال النووية عبر أوروبا لردع روسيا»



